بحث عن أسلوب التعلم الذاتي

 أصبح التعلم الذاتي من الأساليب التعليميّة التي يحتاج إليها كلّ متعلّم في هذا العصر، ويشهد العصر الحاليّ تقدّماً علميّاً و تكنولوجيّاً هائلاً  في جميع المجالات ( كان آخره التقدّم الكبير في اكتشاف المرّيخ) ، نتج  عنه تزايد في حجم المعرفة الإنسانيّة بدرجة كبيرة، وظهور عديد من بدائل اختيار المحتوى الدراسيّ الأمر الذي أصبح يمثل أهمّ العقبات التي تواجه واضعي المناهج الدراسيّة في جميع المراحل التّعليمية.

ونتيجةً لهذا الانفجار المعرفيّ الهائل أصبحت التّربية الفعّالة هي التي تهتم بتعليم التلاميذ قدراً مناسباً من المعرفة الوظيفيّة ، الذي يمثل أساساً  لمزيد من التّعلم المثمر، و أصبح لزاماً علينا مساعدة المتعّلمين على اكتساب الجديد من المعارف والأفكار والنظريّات . حيث لم يعد تزويدهم ببعض الخبرات والتدريب عليها يمكّنهم من مواجهة حياتهم المستقبليّة في ظلّ التّغييرات العلميّة السريعة والمتلاحقة.

” ولمّا كان من الضّروريّ أن تساير العمليّة التّعليميّة ما يحدث من تغييرات وتطورات في مجال العلم وتطبيقاته، فقد نشط الفكر التّربويّ في العالم المتقدّم، وتكثّفت الدّراسات والبحوث في جميع المجالات التّربوية لمواجهة هذا الانفجار المعرفيّ ، وإيجاد الحلول للمشكلات والصّعوبات الناتجة عنه.” ( الشربينيّ والطناويّ ،2001  ،125 ) .

“فعلى الرغم من شيوع التعليم الجمعيّ في التعليم النظاميّ ، إلاّ أنّ التعليم الفرديّ والتعلّم الذاتيّ بدأ في الانتشار في التعليم النظامي ، والتعليم غير النظاميّ ، والتعليم اللانظاميّ ، لأنّ التعليم لا نفع فيه إذا لم يتحوّل إلى تعلّم ، وهذا يتطلّب إلقاء مزيد من المسؤوليّة على عاتق المتعلّم في أثناء عمليّة التعلّم والتعليم ، أينما يجري التعليم ، سواء في فصول جمعيّة ، أو صفوف مجمّعة، أو في زمر صغيرة ، أوفي التعلّم الفرديّ ، فدور المعلّم لم يعد قاصراً على التعليم ، أي توزيع المعلومات على التلاميذ المتعلّمين ، بل تنوّعت أدواره ، فهو يخطّط البيئة التعليميّة التعلّميّة،ويدير شؤونها ونشاطاتها ، ويشخّص صعوباتها ، ويجدّد مستوى المتعلّمين ، ويمكّن المتعلّم من التعلّم المتقن ، ويقوّم مقدار التعلّم الناتج وفق الأهداف الموضوعة . “(القلاّ،1985، 1 -2).

مفهوم التعلم الذاتي

ظهرت تعريفات عديدة للتعلّم الذاتيّ ، وكلّها تركّز على الدور الإيجابيّ للمتعلّم ، وعلى منحه الحريّة في التقدّم في التعلّم بحسب إمكاناته وقدراته ، ومن هذه التعريفات:

“تنظيم المادّة التعليميّة بأسلوب يسمح لكلّ تلميذ أن يحقّق التقدّم الذي يناسب إمكاناته ورغباته الشخصيّة ، ويوفّر الإرشاد التربويّ والمساعدة للمتعلّمين بما يناسب احتياجاتهم الشخصيّة .” ( Good،1959، 290).

“الأسلوب الذي يصف الطريقة التي يقوم الأفراد فيها بالمبادرة التعليميّة ، ووضع الأهداف ، وتحديد المصادر البشريّة وغير البشريّة ، واختيار الإستراتيجيّات ، وتقويم المخرجات” (Knowles،1978،18 ).

“التعلم الذاتي يتيح للمتعلّم أن يتقدّم بالسرعة التي تناسبه ، ويقدّم مقرّرات تناسب إنجاز كلّ متعلّم وقدراته” (Max،1972،395)

“هو العمليّة التي يسعى فيها المتعلّم إلى تحقيق أهدافه ، واختياره الموادّ التعليميّة في ضوء اهتمامه ، والسير في تعلّمه بما يناسب إمكاناته .” shao،1998،59) De)

هو “ذلك الأسلوب الذي يعتمد على نشاط المتعلّم ، حيث يمرّ من خلاله ببعض المواقف التعليميّة ، ويكتسب المعارف والمهارات بما يتوافق مع سرعته وقدراته الخاصّة ، ويمكن أن يستخدم المتعلّم في ذلك ما أسفرت عنه التكنولوجيا من موادّ مبرمجة ، ووسائل تعليميّة متعدّدة، وذلك بهدف تحقيق أهداف تربويّة منشودة للفرد المتعلّم” (الشربينيّ والطناويّ ، 2001 ، 126).

مسوّغات التعلم الذاتي:

 تؤكّد الاتجاهات الحديثة ضرورة التوسّع في استخدام أساليب التعلم الذاتي لعدّة مسوّغات منها:

 مسوّغات تعليميّة:

ومنها عدم قدرة المناهج الدراسيّة بمعظم الدول الناميّة على تلبية احتياجات الأفراد، حيث يغلب عليها الاتّجاه النظريّ والبعد عن حياة الطالب اليوميّة ومتطلبات المجتمع ، وكذلك الاعتماد على طرائق التدريس التقليديّة التي تؤكّد الحفظ والتلقين ، وتهمل مستويات التعلّم العليا ، أضف إلى ذلك النقص في أعداد المعلّمين في المراحل التعليميّة المختلفة .

ولذلك يمكن باستخدام التعلّم الذاتيّ التغلّب على هذه المشكلات، وتحقيق الأهداف التعليميّة المرجوّة .

مسوّغات اقتصاديّة: 

نظراً لمعاناة معظم الدول النامية من قصور في مواردها اللازمة لمواجهة خطط التنمية ، وخاصّة ما يتعلّق بالخدمات التعليميّة ، فقد استحدثت نظم تعليميّة بديلة عن النظم التقليديّة، تتمثّل في أساليب التعلّم الذاتيّ ، حيث إنّ التعلّم الذاتيّ يمكّن الفرد من مواصلة تعلّمه في أثناء مزاولته عمله ممّا يساعده على زيادة دخله ، ورفع مستوى معيشته .

الانفجار المعرفيّ الهائل :

يشهد العالم اليوم انفجاراً معرفيّاً هائلاً ،حيث تتضاعف المعرفة الإنسانيّة على شكل متوالية هندسيّة ، ويتطّلب تكدّس المعلومات بهذا الشكل مجهوداً كبيراً من المعلّم لشرح هذه المعلومات لطلاّبه ، و نظراً لكبر عدد الطلاّب في الفصل ، وقلة الزمن المخصص للحصّة الدراسيّة ، وعدم توافر الإمكانات والوسائل التعليميّة ، لا  يستطيع المعلّم القيام بدوره التربويّ الملائم،  ممّا يؤدّي إلى عدم تحقّق الأهداف التربويّة المنشودة .

الفروق الفرديّة بين الطلاّب :

أظهرت البحوث النفسيّة وجود فروق فرديّة بين المتعلّمين في نواح متعدّدة كالذكاء والقدرة على التحصيل والفهم والميول والاتّجاهات  والاهتمامات وغيرها من الجوانب العقليّة والانفعاليّة والجسميّة ، ونظراً لأنّ المناهج المقرّرة في معظم دول العالم الناميّ توضع عادةً للطالب المتوسّط ممّا يؤدّي إلى إغفال كلّ من الطالب المتفوّق و الطالب الضعيف في عمليّة تعلّمهم، فيمكن للتعلّم الذاتيّ  أن يتغلّب على ذلك بإتاحة الفرصة لكلّ طالب بأن ينمو إلى أقصى حدّ تمكّنه منه قدراته و إمكاناته الخاصّة، و ذلك يجعل عمليّة التعلّم عمليّة فرديّة، ينظر فيها إلى المتعلّم على أنّه شخص فريد في خصائصه، و تراعي المواقف التعليميّة المختلفة الفروق بينه و بين أقرانه، فالتعلّم الذاتيّ يؤكّد فرديّة الفرد داخل الموقف التعليميّ. 

و يهدف التعلّم الذاتيّ إلى اكتساب المتعلّم المهارات التي تمكّنه من التعلّم طوال حياته، فهو لا يتوقّف عند مرحلة معيّنة،و لا يقتصر على عدد من السنوات الدراسيّة، ولكنّه يساعد المتعلّم على فهم بيئته ، والتفاعل معها بإيجابيّة، و تنمية ذاته عن طريق مشاركته في اتّخاذ القرارات التي تهمّ مستقبله المهنيّ والتعليميّ.

الأسس العلميّة للتعلم الذاتي

يخضع التعلّم الذاتيّ لمجموعة من الأسس ، أهمّها الأسس العلميّة ، وتنقسم هذه الأسس العلميّة إلى مجموعتين ، وهما :

الأسس الفلسفيّة الاجتماعيّة

لكلّ مجتمع عقائده وفلسفته وظروفه الاجتماعيّة وتحدّياته ، ولا بدّ لأفراد المجتمع أن يتسلّحوا بالمعارف والمهارات المتجدّدة دوماً ؛ لمواكبة الحياة والمشاركة فيها ، ولا يمكن أن يتمّ هذا إلاّ من خلال التعلّم التعاوني.

الأسس النفسيّة التربويّة

وهي مجموعة الأسس التي كشف عنها علم نفس التعلّم من خلال النظريّات المختلفة التي تتناول ظاهرة تغيّر السلوك، فاستثارة المتعلّم ، وسعيه وراء التعلّم الذاتيّ ، واختيار ما يريده لإشباع المثيرات لديه ، لا يتيسّر له إلاّ من خلال التعلّم الذاتيّ ؛ الذي يتيح له القدر المطلوب من الخبرات في الوقت المناسب، والمكان الملائم ، في جوّ من التغذية الراجعة ، وأنواع التعزيز المختلفة . ( وزارة التربية ،1997/1998، 286).

أدوار المعلّم في التعلم الذاتي

يقتصر دور المعلّم في النظم التقليديّة على نقل المعلومات من الكتاب إلى أذهان التلاميذ، أمّا في التعلّم الذاتيّ فيختلف دور المعلّم عن ذلك اختلافاً كبيراً، و فيما يلي تحديد لبعض الأدوار التي يمكّن أن يقوم بها المعلّم في أثناء التعليم الذاتي :

1ـ تعرّف خبرات المتعلّمين السابقة.

2 ـ تعرّف قدرات المتعلّمين وميولهم واهتماماتهم واتّجاهاتهم.

3 ـ تخطيط المواقف التعليميّة بما يتناسب و قدرات المتعلّمين واهتماماتهم وخبراتهم السابقة.

4 ـ تعرّف حاجات المتعلّمين ورغباتهم.

5 ـ وضع خطّة الدراسة لكلّ متعلّم ومتابعة تقدّمه فيها.

6 ـ تزويد المتعلّم بالمعلومات والوسائل اللازمة لمساعدته على تقويم تقدّمه ذاتيّاً.

7 ـ إعداد بيئة تعليميّة مناسبة للتعلّم الذاتيّ عن طريق تنظيم الصف الدراسيّ والجدول الدراسيّ.

8 ـ تشخيص صعوبات التعلّم التي يواجهها المتعلّمون، ووضع الحلول المناسبة للتغلّب عليها.

9 ـ متابعة المتعلّمين مع تقديم التوجيهات والإرشادات المناسبة لهم.

10 ـ تعزيز ذاتيّة المتعلّم بمساعدته على استعادة ثقته بنفسه، أو التدخّل لتهدئة حالات الغرور التي توجد عند بعض المتعلّمين تجاه بعضهم الآخر.

11 ـ مساعدة المتعلّم على تعلّم خبرات جديدة بإتاحة الأنشطة التعليميّة المتنوّعة ليختار منها ما يتناسب مع قدراته وإمكاناته وحاجاته.

وعلى ذلك يمكن إجمال دور المعلّم في التعلّم الذاتيّ في تهيئة الموقف التعليميّ ومنظومته على النحو الذي يستثير دوافع المتعلّم إلى التعلّم، ويزيد من قدرته في الاعتماد على نفسه في تعلّمه متفاعلاً مع مصادر الخبرة المختلفة، ويوفّر له قدراً أكبر من المشاركة الفعّالة في اختيار مادّة تعلّمه، ويعينه على اكتساب مهارات التعلّم الذاتيّ ،  والقدرة على تقويم مدى تقدّمه نحو تحقيق الأهداف المنشودة.

دور المتعلّم في التعلم الذاتي

من خلال الاطلاع على الأدبيّات المتعلّقة بأسلوب التعلم الذاتي ؛ يرى المؤلّف أن الأدوار التي يضطلع بها المتعلّم في أثناء تعلّمه ذاتياً يمكن إجمالها بما يأتي :

– الإقبال على الموادّ التعليميّة التعلّميّة بشكل طوعيّ تلقائيّ .

– اختيار ما يناسب قدراته وإمكاناته  من تلك الموادّ .

– اختيار زمان التعلّم المناسب ومكانه .

– اختيار سرعة التعلّم التي تناسبه .

– العمل بنشاط وفاعليّة في أثناء التعلّم .  

– التغذية الراجعة الفوريّة المستمرّة التي تعزّز الاستجابات؛فيتحسّن الأداء التعلّميّ .

– التقويم الذاتيّ للتعلّم .

– توطيد العلاقة مع المعلّم إذا كان التعلّم ضمن مؤسسات التعليم النظاميّ .

– السير في التعلّم خطوة خطوة ، والانتقال إلى المستوى التعليميّ الأعلى بعد إنجاز التعلّم.

أهمّيّة التعلم الذاتي :

أصبح التعلّم الذاتيّ من الأساليب التعليميّة التي يحتاج إليها كلّ متعلّم في هذا العصر ، عصر التفجّر المعرفيّ ، وثورة الاتّصالات ، والعولمة الثقافيّة والاقتصاديّة والسياسيّة ؛ وذلك  لمحاولة اللحاق بالعصر ، ومواكبته ، إضافة إلى كونه حاجة تربويّة بعد أن ” أثبتت البحوث فعاليّة التعلّم الذاتيّ عند مقارنته بالتعلّم المعتاد في أكثر من مستوى تعليميّ، ولوحظ أنّ التعليم الذي يتمّ بالطرائق الذاتيّة ، أرفع مستوى من التعليم الذي تمّ تقليديّاً ” ( وزارة التربية  ، 1997/1998 ، 288 ).

ففي التعلّم الفردي يتمكّن المدرّس من :

1- معرفة ميول التلاميذ ورغباتهم معرفة دقيقة صحيحة .

2- إلقاء المسؤوليّة على الطفل فيتعوّد الاعتماد على النفس ؛ فتقوى بذلك شخصيّته ، ويتولّد فيه الميل إلى الابتكار .

3- التغلّب على التكرار المملّ الذي يلازم التعليم الجمعيّ .

4- منح الحريّة التي يحتاج إليها الطفل في نموّه وتقدّمه .

5- تعويد الطفل مواجهة المشكلات والتفكير في حلّها .

6- لا يسمح التعلّم الفرديّ بوجود الغيرة والحقد والتنافس بين الأطفال .

7- إنّ نظام التعلّم الفرديّ يوثّق الصلة بين المدرّس والتلميذ . “(عبد العزيز وعبد المجيد ، 1974 ،265-266 ).

  • وذكرت غادة عبد الله أن التعلّم الذاتيّ يتمتّع بالميزات الآتية :
  • يمكن ببرامج التعلّم الذاتيّ التدريس لعدد كبير من التلاميذ بعدد قليل من المعلّمين ؛ لأنّ المعلّم في هذا التعلّم مرشد وموجّه .
  • التعلّم الذاتيّ أسلوب مناسب لتعلّم ذوي الاحتياجات الخاصّة ( المعوقين ، الموهوبين) .
  • يتمّ تقديم المادّة العلميّة في صورة أنشطة متعدّدة ومتنوّعة ؛ وهذا يفيد في مراعاة الفروق الفرديّة بين التلاميذ ، ويسير المتعلّم فيها تدريجيّاً ، من السهل إلى الصعب .
  • التعلّم الذاتيّ أكثر فعّاليّة في تحقيق أهداف التعلّم بالمقارنة بالتعلّم التقليديّ .
  • التعلّم الذاتيّ يسهم في إعداد الفرد ليواصل تعلّمه بنفسه مدى الحياة .
  • يؤدّي التعلّم الذاتيّ إلى نماء الشخصيّة وارتقائها .
  • يسهم في حلّ مشكلة الأميّة ، وفي تعليم الكبار.
  • ·          أسلوب مناسب للإفادة من التقنيّات الحديثة.”( عبد الله ،1997، 63)

ويمكن أن يفيد التعلّم الذاتيّ في إكساب الناشئة مهارات متعدّدة ، ومن هذه المهارات :

  • اكتساب المهارات العلميّة .
  • العمل المستقلّ .
  • أداء العمل بإتقان .
  • تلخيص الفكر .
  • تحصيل المعرفة من مصادرها .
  • القراءة الناقدة .
  • اتّخاذ القرارات اللازمة فيما يتعلّق بالدراسة .
  • تحديد المشكلات والصعوبات في المواقف التعليميّة المختلفة .”(جميل ، 1987 ، 117 )

ويمكن استثمار التعلّم الذاتيّ في تدريب الناشئة على فهم المقروء بشكل عام، سواء أكان فهماً حرفيّاً أم استنتاجيّاً أم نقديّاً ، بدءاً من فهم معاني المفردات الحرفيّة والسياقيّة والضمنيّة ، ومروراً بالمقارنة بين مضامين الموادّ المقروءة ، ووضع عناوين للمقاطع أو النصوص المقروءة ، واستخلاص الفكر العامّة والثانويّة ، وما تنطوي عليها المادّة من قيم ، واكتشاف الادّعاءات وأساليب الدعاية ، وانتهاء بإبداء الرأي في المقروء والحكم عليه .

ولعلّ التعلّم عن بعد ، أو بوساطة الحقائب التدريسيّة ، أوالتعليم المبرمج ( سواء بالموادّ المبرمجة التقليديّة أم بالموادّ المبرمجة بالحاسوب) ، أوالتعيينات من أكثر أساليب التعلّم الذاتيّ شيوعاً .

أساليب التعلم الذاتي

لقد كان لحركة تفريد التّعليم والجهود المنهجيّة التي بذلت في بداية الستّينيّات ـ كردّ فعل   للانتقادات التي وجّهت إلى نظم التعليم في ذلك الوقت ـ دور كبير في ظهور مجموعة كبيرة من الإستراتيجيّات التربويّة الخاصّة بتصميم برامج تتّفق وأساليب التعليم الذاتي ، وتتّصف بقدرة كبيرة على تفريد التعلّم، وبالرّغم ممّا قد يوجد من تباين بين هذه الإستراتيجيّات والأساليب، فإنّها جميعاً تتّفق في تحقيق تعليم يؤكّد إيجابيّة المتعلّم، ويراعى خصائصه الفريدة.” ( الشربينيّ والطناويّ ، 2001  ، 127-130).

واتّخذ التعلّم الذاتيّ أساليب وإستراتيجيّات متعدّدة من أبرزها :

 التعلّم بالمراسلة ، التلفزيون التعليميّ ، الإذاعة التعليميّة ، السينما والتسجيلات السمعيّة أو المرئيّة، الجامعة المفتوحة ، التعلّم عن بعد ، التعلّم بوساطة الحاسوب ، التعلّم بوساطة الموديولات التعليميّة ، التعلّم بوساطة الرزم ( الحقائب ) التعليميّة .

أ- أسلوب  البحث (التعيينات) :

تطوّر الدور الذي يقوم به المدرّس في العمليّة التعليميّة التعلّميّة ؛ فلم يعد محوراً لتلك العمليّة، ولم يعد ملقّناً ، أو هادفاً إلى حشو أذهان طلبته بالمعلومات ، بل أضحى هذا الدور – نتيجة لعوامل تربويّة واجتماعيّة وثقافيّة واقتصاديّة وتقانية متعدّدة  – مقتصراً على المساعدة والتوجيه والإرشاد عند الحاجة ، بينما يترك لطلاّبه فرصة التعلّم بالجهد الذاتيّ وفق قدراتهم ، ” وأن يحاولوا هم بأنفسهم الكشف ، والبحث ، وجمع المعلومات ، وإجراء التجارب ، والتحقّق من الفروض تحت إشراف مدرّسهم ؛ حتّى يتعوّدوا الاعتماد على أنفسهم في الدراسة والبحث في مستقبل أيّامهم .” ( سمك ، 1979 ،606) .

وإستراتيجيّة البحث هي الأسلوب الذي يستخدمه المدرّس بحيث يضع التلميذ أمام قضيّة أو مشكلة تدفعه إلى إيجاد الحلول المناسبة ؛ وذلك بتوظيف نشاطه الذاتيّ لحلّ تلك المشكلة من خلال العودة إلى المراجع والوثائق في المكتبات ، وسؤال المختصّين ، وأصحاب الخبرة في تلك القضيّة أو المشكلة .

وتجسّد هذه الإستراتيجيّة مبدأ التعلّم الذاتيّ ، وتجعله أكثر فاعليّة ؛ لأنّها تضع المتعلّم أمام مسؤوليّاته في التعلّم ، كما تكسبه المهارات اللازمة للتعليم الذاتي في مستقبل أيّامه .

وتسمّى هذه الإستراتيجيّة بإستراتيجيّة التعيينات ، وتتلخّص في إعطاء التلميذ واجباً معيّناً ؛ ليقوم به في فترة زمنيّة محدّدة بحسب مستوى التلميذ وصعوبة الواجب المطلوب إنجازه ، مع تزويده ببعض الإرشادات المساعدة ، ” ويصحب التعيين كذلك بتوضيح موجز من قبل المعلّم حول المراجع ، الفصول ، والموادّ والمجالات التي يجب على الطالب الرجوع إليها لمساعدته في تعلّم الواجب أو التعيين .” (الدريج ، 1994، 98-99 )  

ويتضمّن كلّ تعيين الأهداف السلوكيّة للتعيين ، والاختبار القبليّ ، والنشاطات التعليميّة التعلّميّة ، والتقويم المرحليّ ، والتقويم الختاميّ ، وينتهي كلّ تعيين بالتغذية الراجعة التي تعزّز تعلّم الطالب.

ويبدأ التعلّم في كلّ تعيين بتعرّف أهدافه ، ثمّ الإجابة عن بنود الاختبار القبليّ ( التشخيصيّ)،  فإذا أجاب الطالب عن بنود الاختبار كافة بدرجة معيّنة ( حدّدت بعض الدراسات هذه الدرجة  ب 100 % ) انتقل  إلى التعيين الثاني ، وهكذا ، أمّا إذا تعثّر في الإجابة عن البنود كافّة ، أوكانت درجته تقلّ عن الدرجة المحدّدة ، فهو ملزم بدراسة التعيين ، ويعدّ تقدّم الطالب في التعيين مشروطاً بالإجابة عن بنود التقويم المرحليّ التي تتخلّل التعيين .

وينتهي كلّ تعيين بتقويم نهائيّ يتناول مهارات القراءة الناقدة التي اشتمل عليها التعيين ، والمهارات القرائيّة بشكل عامّ  ، ثمّ يطّلع الطالب على التغذية الراجعة ؛ للتأكّد من صحّة استجاباته ، وتعزيز تعلّمه ، أو تعديل مسار ذلك التعلّم ، ويرى المؤلّف أنّ   أسلوب التعيينات يمكن تطبيقه في التعلّم الصفّيّ بقيام المدرّس بتقسيم قضايا الدرس أو فكره إلى تعيينات  ، حيث يحدّد لكلّ طالب أو مجموعة جزءاً معيّناً من موضوع الدرس  ؛ لمناقشته وتحليله على أوسع نطاق، بحيث يتناول تلاميذ الفصل جميعهم الموضوع نفسه من زوايا مختلفة .

كما ” يمكن أن يكون التعيين فيها مشتركاً بين تلاميذ الفصل جميعهم ، أو منفرداً فيقوم كلّ تلميذ بتعيينه الموزّع عليه .” (سمك ، 1979 ، 606) .

ونظراً لأنّ الغاية من إستراتيجيّة التعيينات هي قيام الطلبة بالتعلّم الذاتيّ ؛ للحصول على الخبرات اللازمة ، واكتساب مهارات ذلك التعلّم الذاتيّ  ، وبذل الجهد ، وتحمّل المسؤوليّة فإنّ المؤلّف يميل إلى تكليف الطلبة جميعهم إنجاز تعيين واحد ، حيث يقوم كلّ منهم بإنجازه بالسرعة التي تناسب قدراته ، ثمّ ينتقل إلى إنجاز التعيين اللاحق بإشراف المدرّس ، وهكذا ، وبذلك يخلص جميع الطلبة إلى تعلّم واحد ، وإن تفاوتت مدد هذا التعلّم من طالب إلى آخر .

اترك تعليقاً