سيرة الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود رحمه الله

نسبه:

هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود (الذي تنتسب إليه الأسرة السعودية) ابن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي، من بني حنيفة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. وقد أسس مانع المريدي بلدة الدرعية على ضفاف وادي حنيفة عام 850هــ.

وظهر بزوغ شمس هذه الأسرة في سماء تاريخ العرب والجزيرة عام 1158هـ حينما التقى الإمام محمد بن سعود بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، على أمر قد قدّره الله، وتعاهدا على نصرة الدعوة إلى عقيدة التوحيد وبثها في أرجاء الجزيرة، وعلى إثر ذلك قامت الدولة السعودية الأولى، وأخذت في التوسع حتى شملت معظم أجزاء الجزيرة العربية ، إلى أن تكالب عليها خصومها، واستطاعوا التغلب عليها عام 1233هـــ؛ لكنها ما لبثت أن عادت على يد الإمام تركي بن عبد الله مؤسس الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ، واستمرت في النمو وبسط نفوذها إلى أن حدثت خلافات بين أبناء الإمام فيصل بن تركي أدت بها إلى الانحسار، ثم شارفت على الانتهاء إلى أن عادت بدعائم قوية على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفصيل آل سعود ابتداء من دخول الرياض عام 1319هـ إلى إطلاق اسم (المملكة العربية السعودية) على غالب شبه الجزيرة العربية عام 1351هـ.

مولده:

يذكر بعض المؤرخين أن الملك عبد العزيز ولد في اليوم التاسع عشر من ذي الحجة، واختلفوا في السنة؛ فالمشهور لدى معظم المؤرخين أنه ولد عام 1297هـ، إلا أن المرجح أنه ولد عام 1293هـ؛ لرواية الأمير عبد الله بن عبد الرحمن الفيصل التي تؤيد ذلك وقرائن أخرى قوية.

نشأته وتكوين الدولة السعودية الثالثة:

لقد عرفت أسرة آل سعود منذ نشأتها بالتمسك بالعقيدة السلفية النقية التي من أبرز معالمها التوحيد الخالص، ونبذ الشركيات، والأخذ بالسنة، وترك المحدثات والمبتدعات، والالتزام بتحكيم الشرع، وطرح ما يخالفه من العادات.

لذلك فقد اهتم الإمام عبد الرحمن بتربية ابنه عبد العزيز تربية دينية مشتملة على دراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية إلى جانب تطبيق هذه التعاليم تطبيقاً عملياً، فلما بلغ الخامسة عهد به أبوه –الإمام عبد الرحمن- إلى الشيخ: عبد الله الخرجي، فتعلم على يديه مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ سوراً من القرآن الكريم، ثم قرأه كاملاً على الشيخ محمد بن مصيبيح، ثم تلقى بعض مبادئ الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف في كراسة أعدها خصيصاً له.

وقد عوده والده أن يستيقظ للصلاة قبل الفجر، وبدأ يصوم وهو في العاشرة من عمره، ثم اتسعت حصيلته العلمية رغم الظروف المحيطة به، فكان يحفظ أجزاء من القرآن الكريم، ويحفظ الرحبية في الفرائض، وتعلم زاد المستقنع في الفقه، ويحفظ من كتب الأحاديث: الأربعين النووية، وبلوغ المرام، وكان يحب قراءة البداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الرسل والملوك للطبري، والسيرة لابن هشام، والمغني والشرح الكبير والإنصاف. وفي التفسير كان يميل إلى تفسير ابن كثير، والطبري، والبغوي؛ وكان يحب من الشعر ما يتميز منه بالطابع الإسلامي والنصائح، كما كان يكثر من تلاوة القرآن الكريم، ما أمكنه ذلك، فيخصص حوالي نصف ساعة لقراءة القرآن الكريم، وكثيرا ما كان يستشهد من القرآن الكريم على ما يؤيد رأيه، أو يوضحه، أو يؤكد موقفاً من المواقف، وكان له ورد خاص بقراءة يومياً عن ظهر قلب.

وقد وضع لحياته نظاماً دقيقاً، أعطى الجانب الديني منه نصيباً وافراً، على الرغم من كثرة مشاغله ومسؤولياته، فهو غاباً لا ينام أكثر من ست ساعات في اليوم، على ثلاث فترات، منها أربع ساعات في الليل، يصحو قبيل الفجر، فيصلي ثم ينام ساعة، ثم يقوم بعدها ليرعى مصالح الدولة، وساعة أخرى بعد الغداء، ثم المجلس الديني عقب صلاة المغرب، ومن هذا أصبح قائداً محنكاً إذ جمع بين ما نشأ عليه من تعاليم دينية، وبين براعته في إدارته لأمور الدولة عندما أصبح في موقع المسؤولية. 

وكان قد تدرب على استعمال السيف وهو في الثامنة، كما تدرب على الوثوب على ظهور الخيل دون سرج أو لجام واستعمال البندقية، وينقل على لسانه- رحمه الله- أنه أحسن استعمال البندقية وركوب الخيل، كأحد الفرسان، وهو في سن الصبا، وأنه كان في السابعة حاد الطبع، دائم الحركة، لا يستطيع الاستقرار في مكان واحد فترة طويلة.

مرحلة التوحيد السياسي

تعد مرحلة التوحيد السياسي الخطوة الرئيسية في عملية بناء الدولة والمجتمع في المملكة فعندما قرار الملك عبد العزيز إعادة بناء الدولة السعودية في مطلع القرن العشرين، كانت تنتظره مهام وتحديات جسيمة يجب التغلب عليها، وكانت أولى هذه المهام هي وضع الخطط الكفيلة باستعادة الأقاليم التي كانت خاضعة للنفوذ والسلطة السعودية منذ قيام الدولة السعودية الأولى، ثم إعادة توحيدها في دولة عصرية، وتمثلت المهمة الثانية في بناء مجتمع مستقر عماده الدين وتوفير موارد للعيش الهادئ عن طريق الزراعة، وتركزت مهمته الثالثة في استئصال الفوضى وتوفير الأمن والاستقرار في المناطق التي أخضعها لنفوذه، وقد تم التغلب على هذه الصعاب بفضل الله ثم بتوفير الصفات القيادية في شخص الملك عبد العزيز .

وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى تحقيق هدفه المتمثل في توحيد المناطق المختلفة لشبه الجزيرة العربية، وصهرها في بوتقة سياسية واجتماعية واقتصادية واحدة، مما هيأ الظروف لقيام دولة موحدة قوية البنيان، تمكنت من الصمود والثبات في وجه المؤثرات والعقبات الداخلية والخارجية التي صاحبت فترة التوحيد والتأسيس. فمعركة التوحيد السياسي التي استغرقت وقتا وجهدا كبيرا، ساهمت بصورة فعالة في ربط ودمج كافة المناطق في كيان وطني واحد. كذلك تمت عملية الانصهار الاجتماعي لمختلف سكان مناطق المملكة من البدو والحضر، وذلك بإقامة الهجر والقرى والمدن، وتوفير المستلزمات الضرورية لها حتى يتحقق الاستقرار والاتصال الاجتماعي بين أفراد المجتمع، ثم المساهمة في بناء الوطن. فلقد أدرك الملك عبد العزيز في فترة مبكرة من مرحلة التأسيس والبناء أنه لا يمكن تكوين مجتمع ودولة مستقرة بدون التأكيد على تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة، التي تدعو إلى التآلف ونبذ الفرقة وكسب العيش بطريقة مشروعة. ولهذا فقد شجع البادية على الاستيطان في أماكن مستقرة تسمى الهجر، ووفر لهم الوعاظ والمرشدين ليفقهوهم في أمور الدين، وقدم لهم العون المادي من أجل بناء البيوت وحفر الآبار وغرس الأشجار، وقد ساعد كذلك على عملية التوحيد السياسي والاتصال الاجتماعي إنشاء شبكات الاتصال السلكية واللاسلكية وشبكة مواصلات برية وجوية من أجل زيادة التواصل والانصهار الاجتماعي والثقافي والسياسي بين مناطق المملكة المختلفة.

تعد مرحلة التأسيس والبناء من أهم وأدق المراحل في حياة الدول والشعوب لذلك فقد صاحب تأسيس المملكة العربية السعودية كدولة ومجتمع ونظام سياسي العديد من الصعاب والعقبات التي أمكن التغلب عليها بفضل شخصية الملك عبد العزيز الذي أستطاع تأسيس دولة قوية وتحقيق البناء الوطني. وكانت هناك تحديات جسيمة يجب على الملك عبد العزيز مواجهتها، وكانت أولى هذه المهام هي وضع الخطط الكفيلة باستعادة الأقاليم التي كانت خاضعة للنفوذ والسلطة السعودية منذ قيام الدولة السعودية الأولى، ثم إعادة توحيدها في دولة عصرية، وتمثلت المهمة الثانية في بناء مجتمع مستقر عماده الدين وتوفير موارد للعيش الهاديء عن طريق الزراعة، وتركزت مهمته الثالثة في استئصال الفوضى وتوفير الأمن والاستقرار في المناطق التي أخضعها لنفوذه، وقد تم التغلب على هذه الصعاب بفضل الله ثم بتوفير الصفات القيادية في شخص الملك عبد العزيز. وقد تمت عملية البناء الوطني على مرحلتين في مدة زمنية تزيد على نصف قرن ففي المرحلة الأولى تمت عملية بناء الكيان السياسي والاجتماعي للدولة، بعد خوض معارك التوحيد، وتحقيق الأمن والاستقرار والانصهار الاجتماعي، وخلق الشعور الوطني بالانتماء والولاء للوطن والقيادة، أما في المرحلة الثانية فقد تم بناء المؤسسات الدستورية والإدارية التي تم من خلالها تكوين هيكل إداري وسياسي للدولة تم تطويره بالتدريج، وفق خطة مرحلية في الزمان والمكان وحسبما سمحت به ظروف البلاد المادية والاجتماعية. فمعركة التوحيد السياسي التي استغرقت وقتا وجهدا كبيرا، ساهمت بصورة فعالة في ربط ودمج كافة المناطق في كيان وطني واحد. كذلك تمت عملية الانصهار الاجتماعي لمختلف سكان مناطق المملكة من البدو والحضر، وذلك بإقامة الهجر والقرى والمدن، وتوفير المستلزمات الضرورية لها حتى يتحقق الاستقرار والاتصال الاجتماعي بين أفراد المجتمع، مما يساهم في بناء وطن قوي. تبنى الملك عبد العزيز إستراتيجية التطور المرحلي في الزمان والمكان من أجل بناء الهيكل الإداري الموحد للدولة السعودية وفي سبيل تحقيق هذا الهدف فقد تم إنشاء العديد من المؤسسات الدستورية والقضائية والتنفيذية التي امتدت اختصاصاتها وصلاحياتها إلى كافة أنحاء المملكة كما تكونت خلال تلك الحقبة العديد من اللجان والمجالس والأجهزة المتخصصة والعامة التي لعبت دورا رئيسا في تثبيت دعائم الجهاز بالمملكة في مرحلة لاحقة.

الخاتمة:

وقد وهب الله الملك عبد العزيز بنية قوية وقامة مديدة، فكان يفوق أقرانه ويتفوق عليهم، واجتمع له مع قوة الجسم سلامة الرأي، فكان يشارك في الصلح بين القبائل وهو في الثالثة عشرة من عمره، وغير ذلك من الأمور الجسام ، وكان الملك عبد العزيز دائم التفكير في إعادة دولة التوحيد والسنة التي كان يملكها آباؤه وأجداده إلى أمجادها، فكان أن خرج من الكويت عام 1319هـ في محاولة لفتح الرياض، فاستطاع بفضل من الله تعالى تحقيق ذلك في الخامس من شوال من ذلك العام، وكان ذلك الحدث نواة لتأسيس الدولة السعودية الثالثة، ثم واصل الملك عبد العزيز: جهوده المباركة في بسط نفوذه حتى أتم توحيد أركان هذه البلاد عام 1351هـ، وتسميتها (المملكة العربية السعودية) بعد مشوار طويل في سبيل الجهاد لتوحيد الأمة على كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وإحلال الأمن بعد الفوضى والضياع.

ومن ثم استمر الملك عبد العزيز- رحمه الله- في حكمه وقيادته للبلاد وفق الشريعة الإسلامية وتحكيمها حتى توفاه الله في الطائف عام 1373هـ، ودفن في الرياض في مقبرة العودة.

المراجع:

  1. عبد الله بن محمد الشهيل، فترة تأسيس الدولة السعودية المعاصرة، دار الوطن للنشر، 1404ه.
  2. الزركلي، خير الدين، 1991، شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز، ج2، ط4، بيروت

اترك تعليقاً