الحصانة الفكرية في ضوء السنة النبوية

مختصر البحث:

مفهوم الحصانة الفكرية

قد عرف الدكتور محمد الشّريفين مصطلح الحصانة الفكرية ب “التّمسك بعقيدة التّوحيد الخالص وتنظيم أولويات التفكير وضبط تبادل المعلومات بين المسلم وغيره”.

ويعد بيان مفهوم الحصانة والفكر لغوياً واصطلاحياً فإنّ الحصانة الفكرية هي: احترازات سليمة في الإعداد والبناء الفكري القائم على ضبط القلب والعقل بضابط التّفكير الإيجابي البناء وضبط التّبادل العقلي المعرفي الدّيني و الحياتي بالتّوحيد بين المسلمين وغيرهم، بتعزيز الثبات لتوقي التَّيارات الفكرية المخالفة الوافدة؛ التّي تهدف إلى زعزعة الأمور وتغيير قيم الحياة.

عناصر الحصانة الفكرية وأهميتها

المقصد الأول: التّقوى

تعتبر من أهم العناصر في تقوية الاحتراز الفكري حيث تعتبر مُنطلقاً قوياً في الحصانة الفكرية للإنسان المسلم إذ أنها تتحكم بالوجدان والعواطف لأنّ محلها القلب. ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(التقوى هَاهْنا، وَيْشِيرُ إِلى صدره ثلاث مرات)، وقد تنبني عليها العديد من الأفكار والثقافات المؤثرة على المجتمع، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ في وصاياه بالتقوى وهو يتحدث عن مسببات الانفلات الفكري. وهي: الاختلاف الشديد وترك العمل
بالسُنة، والابتداع في الدّين ما ليس منه، كما ورد من حديث العزباض بنِ سَاريّة رضي الله عنه قال: صَلَّى بنا رَسولْ اللّه صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبَلَ عَلَيْنا فَوَعَظَنَا مَوْعَظَة بَلِيغة ذرفتْ لها الأَعيْنُ، وَجِلَتْ مِنهَا الْقلُوبُ قلنا أو قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّه كَأنَّ هَذِهِ مَوْعظَهُ مُوَدَع فَأَوْصِنا. قَالَ: (أُوصِيكُم
بتقْوَى اللّهِ وَالمسّمْع وَالطّاعة..).

المَقْصَّدُ الثّاني: إعمال العقل وحفظه

فالعقل هو الذي ينبني فيه الفكر وهو ركنٌ أساس في توجيه الإدراكات العقلية والفكري نحو الإيجابية أو السّلبية، وقد عرفه ابن حبّان أنه: (اسم يقع على المعرفة بسلوك الصّواب؛ والعل باجتناب الخطأ!). فإعمال العقل كما أمر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بحدُود الدين والشريعة لهو مبلغ رصين في الحصانة الفكرية، فحينما يخاطب الله تعالى أصحاب العقول في قوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 190]، فهو يدعوهم للعمل تدبراً وتفكراً في خلقه ومخلوقاته، كما هو مناسب لقدرات الإنسان العقلية، فقد دعاهم لإعمال عقله في معجزة نفسه، كإنسان كما قال تعالى: (وَفي أَنْفسِكُمْ أَفلَاتبْصرونَ) [الذاريات: 21]. ‎ فيبدأ التّحصين الفكري من إعمال العقل بالتّفكر في آلايات الله تعالى ونعمه.

المَقْصَّدُ الثّالث: التّفقه بالعلوم الشرعية من الأصول الإسلامية المشروعة.

يعتبر التّفقه بالعلوم الشرعية من أهم ركائز التّحصين الفكري للمسلم فالتّفقه في شرع الله ودينه علامة حصانة عظيمة لفكر المسلم؛ كماورد في حديث عَبْدَ اللّهِ بْنَ مسعود رضي الله عنه قَالَ قَاَل النّبِي صلى الله عليه وسلم : (لا أحسد إِلَّا في اثنتينِ: رَجُل آتاهُ اللّهُ مَالَا َفسلط علَى هَلَكَتَه في الحق وَرَجُلُ آتَاهُ اللّهُ الحكمّة فَهُوَ يَقْضي بها وَيُعَلَمَْهَا).

ولكن في هذا الزمان الذي كثرت فيه الشبهات، والتّشكيك في هذا الدين وفكره مع التُطور التكنولوجي الذي أصبح وسيلة سهلة للمعادين والمتربصين للإسلام وأهله؛ فلابدٌ من تلقّي هذه العلوم من مصادر الإسلام الأصيلة ابتداءً وهي القرآن والسنة النبوية. ومن ثم الرجوع إلى أهل العلم والتّبصر في الدين لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أهْلَ الذّكْر إِن كُنتمْ لأَتعْلَمُونَ) النحل: الآية: 43. وهذا يعني أنه لا يمكن للمسلم أن يتلقى شيئاً عن دين الله في عقيدته أو سلوكه؛ ومعاملاته من كافر فيأمن على فكره وعلمه؛ ويأمن المجتمع المسلم على نفسه؛ فلا تختلط المناهج في الذهن؛ أوتتضارب التصورات لتكون النتيجة المنطبعة بعد ذلك في العقل الإسلامي منهجأً غوغائياً لا ضوابط له، ولا تحكمه قيود، لذلك فإِنّ توضيحها يستقي منهما الحقّ والصّواب، على طريقة علماء أهل السُنة والجماعة» ومنهجيتهم في الاستدلال.

المقصد الرّابع: الثقافة العلمية

ومعرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة بتفاعلاتها في الماضي والحاضر من دين ولغة وتاريخ، وحضارة، وقيم، وأهداف مشتركة بصورة واعية هادفة وهي التّي يجب أن يحملها المسلم ومحورها الإسلام مصادره وأصوله وعلومه المتعلقة به؛ فهي ليست ترفاً للإنسان المسلم من أجل التّحصين الفكري فقط بل هي ضرورةٌ قاطعةٌ لحياته ولو بالحد الأدنى من المعلومات التي يجب أن يكتسبها بالمطالعة من حين لآخرء فهي من ضروريات التّحصين الفكري لذلك سنجد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حرص على إيجاد قاعدة ثقافية لبناء الشخص المسلم المثقف، تدحض كل فكر هدّام يبطل مبادئ دعوته ودينه، سواء تتعلق هذا الأمر بأصول الدين أو فروعه أو آدابه.

أهمية الحصانة الفكرية

التُحصين مطلب أساسي لكل الأمة ويأتي التُحصين الفكري على رأس قائمة الغايات الهامة لتكون حماية المجتمع الإسلامي عامة والشباب والفئة المتعلمة بخاصة في البلاد المسلمة من الأفكار الدّخيلة واجبا شرعياً وفريضة دينية فحينما زود الله سبحانه وتعالى أجسامنا بجهاز للمناعة يساعدها على المحافظة على آلية عملها وعلى صيانتها من الوافدات الأجنبية التَّي يمكن لها أن تضرٌ بها وتقضي على سلامتها فالجسد بسبب ذلك الجهاز يظل يقظأ حيال ما يدخل في نسيجه مهما طال الزّمان، فنحن على المستوى الفكري في حاجة إلى جهاز مناعة مماثل من أجل حماية فكر الأمة من التّدميره ومن أجل إبقائه في حالة من النُشاط المكافئ للتحديات التَّي تواجهنا.

دراسة الكاملة: 232 صفحة

الحجم: 3.5 ميجابايت

اترك تعليق

avatar
  أشترك في التنبيهات  
نبّهني عن
إغلاق القائمة