الكوارث والظواهر الطبيعية بالأندلس وآثارها على المجتمع

مختصر البحث:

تعد الظواهر الطبيعية من العوامل المهمة التي تدخل في حياة المجتمعات والأمم بنتائجها الايجابية والسلبية، ولعبت أدواراً بالغة الخطورة في سير حركة التاريخ من حيث انها عّدت عاملاً مضافاً إلى عوامل أخرى في تقدم الأمم او إنهاء بعض الحضارات.

كان للموقع الجغرافي للأندلس الأثر البالغ في تعرض البلاد إلى الكثير من الكوارث، فوقوعها بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي تجعلها عرضة لمتأثيرات المناخية وهبوب الرياح القوية وتأثيرات البحار من حيث العواصف والأمطار المختمفة المواسم، وكذلك لعبت طوبغرافية الأندلس من تنوع تضاريس الأرض وكثرة الجبال الشاهقة والأنعار الكثيرة التي أنعمها الله على شبة الجزيرة المعروفة بشبة جزيرة ايبريا فضلاً عن الينابيع والعيون التي تنتشر في بقاع تلك البلاد، ويذكر بعض المؤرخين اخباراً عن الزائر إلى الأندلس بأنه لا يسير فرسخين إلا ويجد أمامه ماء، إذ يشقها أربعون نهرا، ومدينة سرقسطة وحدها تقع على خمسة انهار.

القحط:

وتوالت على الأندلس سنوات قحط عديدة ففي سنة (207ه / 822م) أصاب البلاد قحط شديد أدى إلى مجاعة قوية راحت ضحيتها خلق كثير، وأصابت البلاد على اثر ذلك انتشار الجراد مما دفع بالأمير عبد الرحمن الأوسط (206 – 238ه/ 821 – 852 م) إلى إطعام الفقراء والمساكين من أهل قرطبة، وخرج أهل قرطبة إلى صلاة الاستسقاء، ويبدو ان المجاعة لحقت بالأندلس بسبب قلة الأمطار ومن ثم زاد الجراد من معاناة الناس من خلال قضاءها على المزروعات والبساتين في قرطبة.

ولخطورة ما أصاب أهل الأندلس جراء القحط المتكرر فقد كان الناس يخرجون إلى صلاة الاستسقاء بشكل كبير ففي عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط تعرضت قرطبة إلى قحط ومحل فنودي لصلاة الاستسقاء فخرجت جموع كبيرة من قرطبة وعبروا القنطرة المعروفة بقرطبة وهي قديمة البنيان وحصينة، وصلى بالناس صاحب الصلاة الفقيه عبد الممك بن حبيب في مصلى الربض وتجمهر الناس وأقاموا الصلاة وعند العودة تزاحم الناس على القنطرة ولم تسع لمرور تلك الأعداد الكبيرة حتى سقط عدد من الناس في النهر وماتوا ومنهم من عبروا بالقوارب لشدة الزحام على القنطرة، وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (238 – 273 ه/ 852 – 886 م) تعرضت البلاد إلى مجاعة شديدة نتيجة لقحط جزئي قبل سنة 260ه وفي هذه السنة بلغت المجاعة في قرطبة إلى درجة انتشر في المدينة السراق وكثرت الشكاوى عند الأمير عن تطاول بعض الفسدة فقام الأمير بعدد من الإجراءات لتخفيف عبء المجاعة على الناس وحمايتهم من المفسدين فأمر صاحب المدينة بإعفاء أهل قرطبة والمدن الأخرى التي شملتها المجاعة من العشور المستحقة عليهم.

الفيضانات والثلوج:

تعد بلاد الأندلس من البلدان الغنية بالموارد المائية ولا سيما الأنهار حيث تقطعها أربعون نهرا ومدينة سرقسطة وحدها تقع على خمسة انهارا، فضلاً عن الينابيع والعيون التي تخرج من جباليا وأوديتيا نتيجة لتساقط الثموج على جباليا ولا سيما السلاسل الجبلية العالية التي لا تنقطع عنها الثلوج صيفاً وشتاء اً. ومن الطبيعي ان تشكل الأمطار الغزيرة والثلوج إلى زيادة نسبة تدفق المياه إلى الأنهار وارتفاع منسوبها ونظرا لعدم وجود سدود ناظمة لحماية المدن
من الفيضانات لذلك تعرضت مدن الأندلس إلى العديد منيا، ففي سنة 222 ه/ 836 م الذي عم الفيضانات بسبب الأمطار الغزيرة وأدى إلى تدفق المياه إلى مدينة قرطبة بشكل كبير حتى عرفت تلك السنة ب عام السيل العظيم، وفي سنة (235ه/ 849 م) تعرضت مدينة قرطبة واشبيلية إلى مد وارتفاع منسوب ماء نهر وادي الكبير الذي يمر فييما وحملت الروافد التي تصب في النير مياه إضافية مما أدى إلى فيضانات عارمة اجتاحت القرى والمدن التي تحيط بالنهر ولا سيما وادي شنيل من روافد نير قرطبة مما تسبب في تدمير ست عشرة قرية من قرى اشبيلية.

وتعرضت الأندلس إلى ظروف جوية أفزعت المجتمع الأندلسي من هوليا وشدة تأثيرها كالعواصف والأعاصير التي هبت عليها ودمرت الأشجار والبيوت ولا سيما القريبة من السواحل، وتعرضت الأندلس أيضاً إلى ظواهر طبيعية كانت غريبة بعض الشيء على العامة من المجتمع ككسوف الشمس وخسوف القمر وكانت تلك المجتمعات تنظر اليها بحذر وهلع من حدوث بعض الكوارث او هولات الحروب والمجاعة، وتحملت أيضا آثار الزلازل التي ضربت شبه جزيرة الأندلس في سنوات عديدة وكذلك ظهور بعض المظاهر الطبيعية من حركة الكواكب والشهب والنيازك التي تحدث أضواءاً عالية تضيء سماء المدن الأندلسية مما يدخل الخوف في نفوس أهل تلك البقاع وتتناقل تلك الأخبار بين مدنها وأقاليمها.

الأوبئة والأمراض:

نالت الأوبئة والأمراض من أهل الأندلس الكثير وخاصة إذا ما تزامن القحط مع الجوع او الفيضانات مع الأوبئة فكانت الخسائر بين الأرواح كبيرة، لأن المجاعة والقحط تؤدي إلى سوء تغذية بين الناس مما يهيئ الأجواء المناسبة لانتشار الأمراض وكذلك الفيضانات معروفة بكونها حاملة للأوبئة والأمراض وان الظروف الجوية الباردة مع القحط تعد من البيئة المناسبة لنمو الأوبئة والأمراض المعدية ولاسيما اجتياح بعض مناطق الأندلس بالجليد مما يقضي على
المزروعات خاصة الأشجار المثمرة، ولعل من ابرز موجات الأوبئة والأمراض التي رافقت القحط قبيل دخول عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس فقد أصابت الأندلس هلاكات كبيرة بين الناس والحيوانات ويقول ابن عذاري حتى كاد الخلق ان ينقرض منها.

الزلازل:

وكانت للزلازل نصيب في تدمير مدن الأندلس والحاق الأذى بالناس ولعل من ابرز الزلازل التي ضربت الأندلس سنة (332ه / 943م) التي هزت العاصمة قرطبة ووصفها ابن عذاري بأنها كانت عظيمة، وعادت وضرب زلزال آخر مدينة قرطبة سنة (364ه/ 974م) وبعد خروج الناس من صلاة الظهر ويبدو انه كان قوياً بحيث أحست بها الأقاليم التابعة إلى قرطبة في نفس الوقت وكذلك الأقاليم الأخرى أحست بيذا الزلزال بدرجات متفاوتة ولمدة قصيرة.

الكسوف والخسوف:

عرف الأندلسيون بالمعرفة في علوم الفلك والتنجيم ومراقبة حركة الكواكب وغالباً ما كانوا يستخدمون تلك العلوم في حياتهم اليومية وكذلك نجد لجوءهم إلى المنجمين لمعرفة أوقات المطر وقراءة الطالع، ولذلك كانت حركات الشمس والقمر جزء من علمهم في مراقبة الكواكب والنجوم ولم تكن ظاهرتا الكسوف والخسوف من الظواهر المقلقة او الخطيرة بل كانوا يخرجون إلى المساجد لإقامة صلاة الآيات الشرعية التي تفرض على المسممين لإقامة هذه الصلوات عند ظهور بعض الآيات في الأرض او السماء، ويروى إلى ان صلاة الخسوف أقيمت في قرطبة سنة (218 ه/ 833م) وتولى صلاتها القاضي يحيى بن معمر في مسجد ابي عثمان بقرطبة.

حركة الأجرام السماوية:

واهتم الأندلسيون لاسيما العلماء منهم برصد حركات الشهب والنيازك والأجرام السماوية الأخرى التي كانت تتحرك في سماء الأندلس، ولم تكن غريبة عليهم لمعرفتهم لتلك الظوهر، وانعكست على النصوص التي تعالج تلك الحركات وهي قليلة في المصادر التي اعتمدت في نطاق البحث مما يدل على ان تأثيراتها كانت محدودة على المجتمع، ويذكر ابن حيان سنة (322 ه/ 933 م) انه كانت هناك ترتيب وظهور غير معتاد للنجوم في السماء حيث تمركزت واجتمعت في وسط السماء وانحرفت من الشرق إلى المغرب وبالعكس حتى أصبحت منظرا وآية لمناظرين، بينما كانت سنة (330 ه/ 941 م) أكثر حركة لتلك الأجرام السماوية حيث شوهد في قرطبة من الأفق الغربي طلوع كوكب مذنب قرب العقرب، وفي نفس السنة وفي شعبان يوم الخميس بدت في السماء جمرة وشعاع ناشب من حركة نيزك ويشع شعاعاً شديداً وبدت الأشعة مقاربة لأشعة الشمس وعند الصباح اختفت تلك الجمرة مع اشراقة الشمس، وبلا شك كانت حركات النجوم والأجرام السماوية التي وقعت بالأندلس مثيرة لاهتمام الباحثين والعاملين في مجال الفلك والنجوم.

أشترك في التنبيهات
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments